ابراهيم بن عمر البقاعي

551

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما فرغ من زجرهم عن أن يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن يسألوا من رحمهم بابتدائهم بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتمادا على أنه ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير مخف عنهم شيئا ينفعهم ولا مبد لهم شيئا يضرهم لأنه بكل شيء عليم - كما تقدم التنبيه على ذلك ، قال معللا بختام الآية التي قبلها : ما جَعَلَ اللَّهُ أي الذي له صفات الكمال فلا يشرع شيئا إلا وهو على غاية الحكمة ، وأغرق في النفي بقوله : مِنْ بَحِيرَةٍ وأكد النفي بإعادة النافي فقال : وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ دالا بذلك على أن الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه على الخبيث دون الطيب ، وذلك لأن الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن الأعمال ، فإذا هو مما لا يعبأ اللّه به بل ومما يعذب عليه ، لكونه أوقعهم فيما كانوا معترفين بأنه أقبح القبائح وهو الكذب ، بل في أقبح أنواعه وهو الكذب على ملك الملوك ، ثم صار لهم دينا ، وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين الكفر ، وهم معترفون بأنه ما شرعه إلا عمرو بن لحي وهو أول من غير دين إبراهيم - كما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي اللّه عنهما « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إن عمرا أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي » « 1 » ورواه عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه وفي آخره : « وكان عمرو بن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام » ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ومسلم في صفة النار عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، وكان أول من سيّب السوائب » « 2 » قال ابن هشام في السيرة : والبحيرة عندهم الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو يتصدق به

--> ( 1 ) حسن . أخرج بعضه الطبراني في الكبير 10 / ( 10808 ) وفي الأوسط كما في المجمع 1 / 616 وابن أبي عاصم في الأوائل 23 / 1 كلهم من حديث ابن عباس ، ولفظ الطبراني في الكبير : « أول من غير دين إبراهيم عليه السّلام عمرو بن لحي بن قميئة بن خندف أبو خزاعة » قال الهيثمي : وفيه صالح مولى التوأمة وضعفه بسبب اختلاطه وابن أبي ذئب سمع منه قبل الاختلاط وهذا من رواية ابن أبي ذئب عنه ا ه . وأخرج بعضه الآخر أيضا أحمد 1 / 446 من حديث عبد اللّه بن مسعود بلفظ : « إن أول من سيب السوائب ، وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر ، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار » . وذكره الهيثمي في المجمع 1 / 116 وقال : وفيه إبراهيم الهجري وهو ضعيف لكنه شاهد لما قبله ، فالحديث حسن واللّه أعلم . وانظر تفسير ابن كثير 2 / 110 . 111 والدر المنثور 2 / 338 . 339 . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 3521 ، 4623 ومعلقا بإثر حديث 4623 ومسلم 2856 والنسائي في الكبرى 11156 والطبراني في الأوائل 19 والبيهقي 10 / 9 ، 10 وابن حبان 6260 و 7490 والطبري 12819 ، 12844 ، 12840 والبغوي في المعالم 2 / 71 وابن أبي شيبة 14 / 70 وأبو يعلى 6121 كلهم من حديث أبي هريرة .